محمد خليل المرادي

95

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

الدكدكجي . وأخذ عن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ، وقرأ عليه وكذلك على الشيخ عبد الجليل بن أبي المواهب الحنبلي ، وانتفع به ، وعلى والده ، والشيخ عثمان بن محمود القطّان ، وعلى الشيخ علي الشمعة ، والشيخ عبد الرحمن المجلّد ، والشيخ محمّد الكاملي . وتفوّق ومهر بالعلوم ، وجالس الأفاضل والأدباء ، وازدان به وجه الزمان ، وظهرت عليه علامات الرشد والفلاح ، ثم لمّا قدم جدّه قاضيا إلى مكّة ، كما أسلفنا ذكر ذلك في ترجمته ، اصطحبه معه للحجّ مع والده وأقاربه . وكان جدّه يرى فيه الرشد ويوصي والده به . ثم لم يزل مستضيئا ظلال نعم والده ، متنعّما في بلهنية العيش الهنيّة إلى أن مات والده . فارتحل بعده إلى إسلامبول في زمن الوزير رجب باشا . ثم إنّه عاد إلى دمشق واستقام بها . ففي أثناء استقامته توفّي مفتي الحنفية بدمشق ، المولى الهمام محمد بن إبراهيم العمادي . وذلك في سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ، فانعقد الإجماع من أهالي دمشق على أن يصيّروا مفتيا الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي . فذهبوا لعنده وأبرموا عليه في ذلك ، فلم يرتض وأبى . فلم يزل يلحّون عليه ويبرمون جميعهم إلى أن قبلها . فكتبوا العروض للدولة العليّة بذلك . وصار الأستاذ النابلسي يكتب على الأسئلة الفقهية « 1 » . فما استقام الخبر إلّا وجاءت الأخبار بورود الفتيا لصاحب الترجمة . ثم إنّه ندم على فعله مع الشيخ النابلسي في ذلك ، لكونهم محبّتهم معه قديمة . وكان الأستاذ مرة ، فدى والد المترجم بعينه لأمر أوقع فيه بالهلاك . وصار الأستاذ بعين واحدة إلى أن مات . ثم لمّا كان مفتيا باشر بالهمّة العليّة . وكانت في تلك الأوقات دمشق الشام مشحونة بالظلم والعدوان ، وواليها الوزير عثمان باشا ، الشهير بأبي طوق . فلمّا وجهت حكومة دمشق إلى الوزير إسماعيل باشا ابن العظم اصطلحت الفتن . وكان المترجم الساعي في هذه الخيرية وتمهيد الفساد ، وقتل أربعة أنفار من المعلومين ، منهم : صالح بن سليمان شيخ الأرض ، والصوباشي ، وأهينت العوانية الذين تمرّدوا في زمن أبي طوق ، وخلت دمشق من الفساد ، ونظمت محاسنها بعد ما كانت منتشرة « 2 » . ثم إنّ المترجم ما استقام بدمشق ، وذهب إلى دار الخلافة قسطنطينية بالروم ثانيا ، واستقام بها إلى أن مات . وكانت له ملازمة في الأصل مع شيخ الإسلام المولى فيض اللّه حسن جان زاده . ولازم على طريقة قاعدة الموالي الرومية . وسلك طريقهم . وتنقّل بالمدارس حتى وصل إلى رتبة الصحن .

--> ( 1 ) انظر الحادثة في يوميّات شامية / 352 . ( 2 ) كان ذلك سنة 1137 ه . المصدر السابق / 363 .